فصل: مسألة دفع إلى رجل عشرة دنانير قراضا وآخر عشرين فاشترى بها سلعتين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة دفع إلى رجل مالا قراضا فابتاع به سلعة فقال صاحب المال قد نهيتك عنها:

وعن رجل دفع إلى رجل مالا قراضا فابتاع به سلعة فقال صاحبُ المال: قد نهيتك عنها، ويقول العاملُ: لم تَنْهَنِي عنها، قال: يحلف العاملُ أنه ما نَهَاهُ ويكون القولُ قولَه.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، وهو مما لا اختلاف فيه؛ لأنه رب المال مدع عليه العدا ويريد تضمينه، وقد أحكمت السنة أن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر وبالله التوفيق.

.مسألة المقارض يشتري المتاع بنظرة أيام:

وسئل: عن المقارَض يشتري المتاع بنَظِرَةِ أيَّامٍ، قال: لا خير فيه؛ لأنه يضمن ذلك الدَّين إذا تلف، وَإن ربح فيه أعطاه نصف الربح.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إنه إذا اشترى سلعا بجميع المال فليس له أن يشتري متاعا بنظرةٍ على القراض، فإن فعل لم يكن له المتاع على القراض، وكان الربحُ له والوضيعة عليه، وهذا قوله في كتاب ابن المواز وهو ظاهر ما في المدونة، وإن أذن له رب المال في ذلك إلا أن يأذن له في أن يشتري على القراض على أنه إن ضاع مالُ القراض كان ضامنا لذلك في ذمته فيجوز وتكون السلعة على القراض، ولا يقام من قوله في هذه الرواية إن ربح فيه أعطاه نصف الربح أنه إن فعل ذلك يكون المتاع على القراض فيكون الربح بينهما والنقصان على القراض؛ لأن المعنى في ذلك إنما هو أنهما عملا على ذلك ولا خير فيه، فلا يكون الحكمُ في ذلك على ما عملا عليه وكان الرب للمقارَض والنقصان عليه، وهذا في غير المُدِير وأما المُدِيرُ فله أن يشتري على القراض بالدين إلى أن يبيع ويقضي، وقد مضى هذا المعنى في رسم القبلة من سماع ابن القاسم وبالله التوفيق.

.مسألة حضروا المحاسبةَ فجاء بماله كله إلا عشرا دنانير بقيت في دين:

قلت له: أرأيت لو حضروا المحاسبةَ فجاء بماله كله إلا عشرا دنانير بقيت في دين، فقال صاحب المال: أنا آخذ هذه السلعة بعشرة دنانير تكون دينا لك علي، قال: لا خير فيه، قيل له: أرأيت إن جهلا ذلك حتى عملا به وفات المتاع، قال: أرى عليه قيمة المتاع.
قال محمد بن رشد: قد مضى القّول على هذه المسألة والاختلافُ فيها مستوفى في أول سماع ابن القاسم فلا معنى لإِعادته، وقد مضت المسألة أيضا في رسم تأخير صلاة العشاء في الحرس من سماع ابن القاسم، وفي رسم القطعان من سماع عيسى وبالله التوفيق.

.مسألة ابتاع تجارة أو سلعة ليسافر بها فمات رب المال:

وعن رجل دفع إلى رجل مالا يعمل فيه فيسير في سفره، ثم يبدو لصاحب المال فيريد أخذ ماله فيُدْركُه في بعض الطريق فيأخذ ماله على من ترى نفقة العامل وهو راجع؟ قال: على صاحب المال حتى يرجع إلى أهله.
قال محمد بن رشد: هذا خلافُ ما في المدونة إلا أن يريد هنا أن العامل رضي بذلك، قال محمد بن المواز: وكذلك لو ابتاع تجارة أو سلعة ليسافر بها فمات رب المال فليس للورثة ولا للوصي منعُه إلا أن يرى الإمام لذلك وجها، قال أحمد: ما لم يكن سفرا يطول أمره جدا، وأما إذا أراد الوصي أخذ المال وبعضه عين لم يكن ذلك له حتى ينض جميعه، ولا ينبغي للعامل أن يُحْدِثَ فيه حدثا يريد أنه ليس له بعد موت رب المال أن يشتري بالمال إذا كان لم يشتر به شيئا بعدُ وبالله التوفيق.

.مسألة دفع إلى رجل عشرة دنانير قراضا وآخر عشرين فاشترى بها سلعتين:

قال: ولو أن رجلا دفع إلى رجل عشرة دنانير قراضا ودفع إليه آخر عشرين دينارا قراضا فاشترى بها سلعتين لا يدري بأيتهما اشترى واحدة منهما، قال: فإنهما بالخيار إن أحبا أن يضمناه السلعتني ويأخذا أموالهما فَعَلا، وإن أحبا أن يأخذا السلعتين فَعَلاَ فإن أخذاهما بيعتا لهما، فأعطى كلُّ واحد منهما رأس ماله وأعطى المقارض ربحه إن كانا أعطيا على النصف أخذ نصف الربح واقتسماه جميعا الباقي على قدر أموالهما وإن ضمناه مالهما وبرئا من السلعتين فإن كانا فيهما نقصانٌ فعليه النقصان، وله الربح إن كان فيهما ربح، قال أبو زيد: أخبرني ابنُ كنانة وابن القاسم في هذه المسألة على نحو هذا.
قال ابن القاسم إلا أن تكون أدنى السلعتين خيرا من عشرين أو ثمن عشرين فلا خيار لهما، فيكونان على قراضهما على قدر أموالهما؛ لأنهما ليس لهما في هذا كلام يقول أحدُهما: لا أدري أيتهما سلعتي، وهذه السلعة قد نقصت من عشرين، فإذا كانت أدنى السلعتين أدنى من عشرين بيعتا فأخذ صاحبُ العشرة عشرته وصاحب العشرين عشرتيه وكان الفضل بينهما على قدر رؤوس أموالهما، وكان للعامل في كل مال من الربح ما اشترط.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة قد مضى الكلام عليها في نوازل سحنون بما لا مزيد عليه وبالله التوفيق.

.مسألة اشترى سلعة بالمائة التي كانت قراضا في يديه فباع نصفها بمائة دينار:

وسئل ابن القاسم: عن رجل دفع إلى رجل مائة دينار قراضا فعمل فيها ثمانية أشهر ثم تحاسبا فجاءه برأس ماله وبقي الربح في سلعته ثم بيعت السلعة عند رأس الحول فصار للعامل عشرون دينارا؟ فلا زكاة عليه، ويستقبل بها حولا، قيل له: أرأيت لو أن العامل اشترى سلعة بالمائة التي كانت قراضا في يديه فباع نصفها بمائة دينار ودفع إلى صاحب المال، وقال صاحب المال: أقر نصف تلك السلعة قراضا بيني وبينك؟ قال: لا خير فيه إنما هي الآن شركة ولا يصلح إلَّا أن يعملا فيها جميعا، قلت له: أرأيت لو أن العامل عمل في المائة ثمانية أشهر فجاءه بخمسة وتسعين دينارا وبقيت خمسة من المائة وما ربح في سلعة، وأنفق صاحبُ المال الخمسة والتسعين أو لم ينفقها، ثم باع تلك السلعة عند رأس الحول بخمسة وعشرين؟ قال: إن كان صاحب المائة أنفق الخمسة وتسعين لم يكن عليه زكاة الخمسة عشر الدينار التي يأخذها من مقارضه ولا على العامل، وإن كان لم ينفق الخمسة وتسعين فإنه يضم الخمسة عشر إليها فيزكيهما جميعا، ولا زكاة على العامل في العشرة حتى يحول عليها الحولُ.
قال محمد بن رشد: قولُ ابن القاسم في هذه الرواية إنه إذا قبض رب المال جميع ماله قبل الحول ثم صار للعامل بعد الحول من السلعة الربح التي كان أبقاها بيده عشرون دينارا فلا زكاة عليه فيها، ويستقبل حولا ظاهرُه خلافُ ما تقدم من قوله في، سماع سحنون: إنه سواء قبض رب المال قبل الحول جميع رأس المال أو بعضه إن صار لرب المال بعد الحول في نصيبه من الربح ما تجب فيه الزكاة أو فيما أبقاه بيده من رأس ماله مع حصته من الربح ما تجب فيه الزكاة وجبت على العامل في حصته الزكاة؛ لأنه إذا كان في حظ العامل من الربح عشرون دينارا كان في حظ رب المال منه مثلُ ذلك إلَّا أن يتأول أن الربح كان بينهما على الثلث لرب المال والثلثين للعامل فلا يكون قولُه في هذه الرواية على هذا التأويل مخالفا لقوله في سماع سحنون، وهو تأويل محتمل، غير أنه لم يره محمد بن المواز وذهب إلى أنه إذا قبض رب المال من العامل قبل الحول جميعَ رأس ماله فلا زكاة على العامل في حظه من الربح الذيِ أبقاه بيده إلى أن حال عليه الحول، وإن صار في حظ كل واحد منهما ما تجب فيه الزكاة.
وأما إن قبض رب المال من العامل قبل الحول بعض رأس المال وأبقى بيده بعضا فصار له بعد الحول فيما أبقاه بيده من رأس ماله وفي حصته من الربح ما تجب فيه الزكاة فإنه يجب على العامل في حصته الزكاة قلت: أو كثرت وهذا ما لم يختلف فيه قول ابن القاسم، وأما إن كان لم يبلغ ما أبقاه بيده من رأس ماله مع حصته من الربح ما تجب فيه الزكاة فزكاه، وذهب محمد بن المواز إلى أنه إذا كان قد بقي بيد رب المال مما قبض قبل الحول ما إذا أضافه إلى الخمسة التي أبقاها بيده من رأس ماله وإلى العشرة التي وجبت له من الربح فزكاها وجب على العامل أن يزكي من العشرة التي وجبت له من الربح ما يقع منها للخمسة التي أبقى بيده من رأس المال، وذلك نصف دينار؛ لأن رأس المال مائة فالخمسة التي أبقى بيد العامل منها نصف عشرها ونصف عشر الربح دينار له منه نصفه فيخرج زكاة نصف دينار من العشرة الربح التي صارت له، وذلك تَنَاقض إذ لا فرق فيما يجب على العامل في حظه من الزكاة بين أن يجب على رب المال زكاةُ ما أبقى بيده مع ما يصير له من الربح ببلوغ ذلك ما تجب فيه الزكاة، أو بإضافته إلى ما بقي بيده مما قبض منه قبل الحول.
وقولُه: إذا قال رب المال: أقر نصف تلك السلعة قراضا بيني وبينك إنّ ذلك لا خير فيه؛ لأنها شركة ولا تصلح إلا أن يعملا فيها معناه إذا قال له: اعمل بها كلها قراضا على أن يكون لك نصف الربح ولي النصف إذْ هي مشتركة بينهما بنصفين، وأما لو أراد أن يعمل بها كلها فتكون حصته منها هي القراض فيكون له ربح الجميع لما كانت شركة، ولكان قراضا فاسدا من جهتين؛ أحدهما: القراض بالعروض.
والثاني: اشتراطُه عليه أن يضيف العاملُ ماله إلى مال القراض فيعمل بهما معا، وقد مضى حكم القراض بالعروض في غير ما موضع فلا معنى لِإعادة ذكره وبالله التوفيق.

.مسألة دفع إلى رجل مالا قراضا فاشترى العامل سلعة فبارت عليه:

وقال ابن القاسم في رجل ممن يُدِيرَ دفع إلى رجل مالا قراضا فاشترى العامل سلعة فَبَارَتْ عليه فَحَلّ حولُ صاحب المال أترى أن تقَوّمَ السلعة التي بيد مقارَضه؟ قال: لا؛ لأنه لا يدري أيربح أم يخسر؟ ولكن إذا قبض ماله زكاه لِمَا مضى من السنين، وكذلك قال مالك.
قال محمد بن رشد: قولُه: فاشترى العامل سلعة فبارت عليه دليلٌ على أنه كان مديرا وإذا بارت على المدير سلعته فلا يخرج بذلك عن حكم الِإدارة، فإذا كان في حكم المدير وإنْ بارت عليه سلعته وجب ألّا يقوم رب المال مع ماله الذي يدير ما بيد مقارَضه إذا كان يدار على ما في كتاب القراض من المدونة وفي غيرها من أنّ مال القراض لا يزكى إلّا عند المفاصلة وإن أقام بيد العامل أعواما فيزكيه عند المفاصلة، لِمَا مضى من الأعوام على قيمته ما كان بيده في كل عام زادت قيمته في كل عام أو نقصت، وقيل: إنه إن نقص في العام الثاني عَمّا كان عليه في العام الأول زكاة للعام الأول على ما رجع إليه في العام الثاني إلّا ما نقصته زكاة العام الأول، وإنما يقوم رب المال في كل عام ماله بيد مقارَضه إذا كان هو يديرُ والعامل لا يدير قيل: فيزكي رأس ماله وحصته من الربح خاصة دون حصة العامل منه، وهو قول ابن القاسم في سماع أصبغ من كتاب زكاة العين، وقيل: بل يزكي رأس ماله وجميع الربح وهو قول ابن حبيب في الواضحة، وقد فَرَغْنَا من تفسير هذه المسألة في غير هذا الديوان والحمدُ لله رب العالمين.
تم كتاب القراض.

.كتاب الوصايا الأول:

.مسألة الرجل إذا استخلف على تنفيذ وصيته وارثا من ورثته:

من سماع ابن القاسم من كتاب الرطب باليابس قال سحنون: أخبرني ابن القاسم سمعت مالكا قال في الرجل يوصي بأن يُعتق عنه وأن يُحْمَلَ بمال في سبيل الله ويستخلف على ذلك وارثا فيريد بعضُ الورثة أن يُنَفذ ذلك وينظرَ فيه معه، قال: إن كان وارثا رأيت ذلك عليه، وإن لم يكن المستخلَف وارثا فليس ذلك عليه إلا فيما تبقى منفعته للورثة: العتق وما أشبهه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه أنّ الرجل إذا استخلف على تنفيذ وصيته وارثا من ورثته فليس له أن يغيب على تنفيذ ذلك سائرُهُم ولمن قام منهم أن ينفذ ذلك وينظر معه فيه مخافة أن يكون أوصى لهم بالوصية، والوصيةُ للوارث لا تجوز إلّا أن يجيزها الورثة، وسواء له سمّى له الميت ما يُنَفِّذُها فيه من عتق أو صدقة مال في السبيل أو بما سوى ذلك من وجوه البر على ما في هذه الرواية، أو كان قد فَوّض إليه جعل ذلك حيث أراه الله على ما قاله في رسم الشريكين بعد هذا، وأنه إذا استخلف على ذلك غيرَ وارث فليس عليه أن ينفذ شيئا من ذلك بحضرتهم ولا لهم أن يكشفوه عن ذلك.
قال في الرواية: إلَّا فيما تبقى منفعتُهُ للورثة العتق وما أشبهه، والمنفعة التي تبقى في العتق هو الولاء الذي ينجر عن المتوفى إلى من يرثه عنه، فلا يختص بذلك الورثة دون غيرهم؛ إذ قد يرثه من لا ينجر إليه من الولاء بشيء، ومن البنات والأخوات والزوجات والأمهات والجدات، وقد ينجر إلى من لا يرثه ممن حجب مِن ميراثه من الإِخوة والعصبة، فلا حق في كشف الوصي الأجْنَبِيّ عن العتق، إِنما هو لمن ينجر إليه الولاء عن الميت، وإن لم يكن وَارِثا له ولا كَلام في ذلك لمن لا ينجر إليه الولاء عنه وإن كان وارثا له، والذي يشبه العتق في بقاء المنفعة فيه للورثة هو الإِخدام والتعمير والتحبيس، فأما الإِخدام والتعمير فالحق فيه لجميع ورثته؛ لأن المرجع في ذلك إليهم، وأما التحبيس فمنها ما يرجع إلى أقرب الناس بالمحبس، ومنه ما يُخْتَلَفُ هل يرجع إلى ورثته أو إلى أقرب الناس به حسبما مضى تحصيلُهُ في أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب الحبس، فالحق في الحبس الذي يرجع إلى أقرب الناس بالمحبس لمن يرجع إليه منهم، والحق في الحبس الذي يختلف فيه هل يرجع إلى ورثته أو إلى أقرب الناس به لجميع ورثته وقرابته من الرجال والنساء من قام منهم كان له كشفه عنه حتى يعلم أنه قد أنفذه لِمَا قد يكون له فيه من المنفعة باتفاق أو على اختلاف، وهذا في الوصي المأمون، وأما غير المأمون فيكشف عن الوصايا كلها من العتق والصدقة بالعين وغير ذلك على ما قاله في رسم الوصايا من سماع أشهب بعد هذا: إِن السفيه المُعْلِنَ المارِق يُكْشَفُ عن كل شيء الصدقة وغيرها وهو محمول على أنه مأمون حتى يثبت أنه غير مأمون، ومن هذا المعنى كشف المرأة الموصى إليها بولدها إذا تزوجت حسبما يأتي القولُ فيه في رسم حلف ورسم كتب عليه ذكر حق من هذا السماع وباللَّه التوفيق.

.مسألة أوصى بثلث ماله يجعله حيث أراه الله:

قال مالك: إذا أوصى بثلث ماله يجعله حيث أراه الله فليجعله في سبيل الخير، وإن قال حيث شئت أو أَحْبَبْتَ فصرفه إلى أقاربه يعني أقاربَ الموصي أو إخوته فلم يُجِزْ الورثة ذلك فهي مردودة على كتاب الله.
قال ابن القاسم: إذا قال له حيث شئت فجعلها في بعض ورثة الميت، قيل له: اتق الله اجعلها في غيرهم، فإن أبَى إلّا فيهم ولم يُجِزْ ذلك الورثةُ كانت على موروثه على فرائض الله، قلت: ولا يجبره السلطان أن يجعلها في سبيل الخير، قال: لا ليس للسلطان في ذلك كلام.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله إنه إذا أوصى إليه بثلث ماله يجعله حيث أراه الله أنه يجعله في سبيل الخير؛ لأنه لم يجعل الأمر في ذلك إلى اختياره، وإنما وكله إلى اجتهاده في أفضل وجوه البر وليس له أن يأخذه لنفسه ولا لولده ولا لِأحَدٍ من قرابته على ما قاله في رسم الشريكين بعد هذا وفي المدونة، بخلاف إذا قال له: اجعله حيث شئت أو حيث أحببتَ هذا إن أعطاه لولده أو لمن شاء من قرابته جاز ذلك؛ لأنه قد جعل الأمر فيه إلى اختياره، فله أن يفعل فيه ما شاء ما عدا أن يجعله لبعض ورثة الموصي فلا يجوز ذلك له إلّا أن يجيزه الورثة؛ لأنه يتهم أن يكون الميتُ أمره بذلك فتكون وصية لوارث.
فمعنى قوله: فصرفه بعض إلى أقارب الموصى أو إخوته أي أقاربه وإخوته الذين من ورثته، ولو صرفه إلى أقاربه وإخوته وهم ليسوا من ورثته لجاز ذلك، لا فرق بين أن يصرفه لقرابته نفسه أو لقرابة الموصي إذا لم يكن وارثا له، وقول ابن القاسم: إنه إن جعلها في بعض ورثة الميت قيل له: أتق الله اجعلها في غيرهم، معناه ما لم يبتل ذلك لهم فإن بتله لهم فلم يجز ذلك الورثة كانت موروثة على فرائض الله على ما قاله مالك، فقول ابن القاسم ليس بخلاف لقول مالك والله الموفق.

.مسألة أوصى بدين لوارث أو غير وارث وأوصى بعتق فأبطل ذلك الدين:

قال ابن القاسم: وسمعت مالكا قال فيمن أوصى بدين لوارث أو غير وارث، وأوصى بعتق فأبطل ذلك الدينُ ولم يَجُزْ لمن أقر له به، فإن ذلك العِتْقَ لا يكون إلّا في الثلث ما يبقى بعد ذلك الدين، ولا تدخل الوصايا في شيء من ذلك الدَّين، فإذا أوصى بوصايا لوارث أو غير وارث عتق العبد ولم تضره الوصايا قال ابن القاسم: وفرق بين الدين والوصايا في هذا؛ لأن الرجل إنما يوصي فيما بعد الدين فإن كان صادقا أو كاذبا لم يكن للعبد حجة إلّا فيما بعده؛ لأن الرجل لو قال: أعتقوا عبْدي بعد مائة دينار تدفعونها إلى وصيه له بدأه على ذلك جاز أو لم يجز لم يعتق العبد إلا بعد تلك المائة.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة على معنى ما في المدونة وغيرها؛ لأن قوله فيمن أوصى بدين لوارث، أو غير وارث معناه فيمن أقر بدين لوارث أو غير وارث؛ وقد بين ابن القاسم وجه قول مالك فيها بما لا مزيد عليه فلا وجه للقول فيها، وبالله التوفيق.

.مسألة مات وقد أوصى بعتق بعض رقيقه فمرض بعضهم:

قال مالك فيمن مات وقد أوصى بعتق بعض رقيقه فمرض بعضهم إنه يُقَوَّمُ مريضا ولا ينتظر به الصحة مخافة أن يموت إذا جمع المال.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: لأن الميت إذا مات وجب تنفيذ ما أوصى به من العتق وغيره، فوجب ألّا يؤخر ذلك من أجل مرضه.

.مسألة الوصية لا تجوز إذا أبقاها بيده ولم يخرجها إلى غيره:

قال ابن القاسم: وسمعت مالكا قال في رجل أوصى وأشهد في وصيته: أنه إن هلك من مرضه ذلك أو فيما بينه وبين سنة بكذا وكذا، ثم سَلِمَ وجاز الأجل ثم هلك والوصية كما هي لم يغيرها ولم يوص بغيرها أنها جائزة ولا ينقضها توانيه ذلك.
قال محمد بن رشد: هذا مثل أحد قولي مالك في رسم سلعة سماها بعد هذا.
والقول الثاني: أن الوصية لا تجوز إذا أبقاها بيده ولم يخرجها إلى غيره.
وتحصيل القول في هذه المسألة: أن الرجل لا يخلو في حين وصيته من حالين؛ أحدهما: أن يكون صحيحا دون مرض أصابه ولا سفر أراده وإنما أوصى لما جاء من التَرغِيب في استعداد الوصية.
والثاني: أن يكون أوصى في مرض أصابه أو عند سفر أَراده لغزو أو غيره.
فأما إذا أوصى في صحته دون سفر ولا مرض فَسَوَاءٌ قال فيها متى مَا مِت أو إن مت أَوْ إذا مت، وسواء أشهد على ذلك بغير كتاب أو بكتاب أقره عند نفسه أو وضعه عند غيره، ينفذ على كل حال متى ما مات إلّا أن يكون استصرف الكتاب بعد أن وضعه عند غيره فتبطل بذلك وصيته وكذلك إن أوصى في مرض أصابه أو عند سفر أراده، فقال في وصيته: متى ما مت وأما إن كان أوصى في مرض أصابه أو عند سفر أراده لغزو أو غيره فقال في وصيته إن مت ولم يزد، أو قال من مَرَضِي هذا أو سفري هذا أو قال يُخْرَجُ عني كذا وكذا ولم يذكر الموت بحال، فإن كان أشهد بذلك من غير كتاب فلا ينفذ الوصية إلّا أن يموت من ذلك المرض أو في ذلك السفر، وأما إن كان كتب بذلك كتابا وضعه عند غيره فإنها تنفذ على كل حال متى مات، وإنْ مات من غير ذلك المرض وفي غير ذلك السفر، واختلف قولُ مالك إن أقر الكتاب عنده ولم يضعه عند غيره فمرة قال: ينفذ على كل حال متى ما مات، وَمَرّة قال لا ينفذ إلا إن مات من ذلك المرض أو في ذلك السفر.
وجه القول الأول أن الوصية لما لم يكن لتنفيذها بمرض بعينه أو سفر بعينه قُرْبَةٌ في البر والأجر على غيره وكتب بذلك كتابا أقره عند نفسه بعد صحته من مرضه أو قدومه من سفره دل ذلك على أنه أراد إبقاء الوصية على حالها، ولعله لم يقصد أوّلا إلى تقيدها بذلك السفر أو المرض بعينه، وإنما ذكره دون غيره لغالب ظنه أنه يموت فيه، ووجه القول الثاني اتبَاع ما يقتضيه ظاهر اللفظ من التقييد، فالقول الأول أظهرُ من جهة المعنى، والثاني أظهر من جهة اللفظ، وكذلك إن قال وهو صحيح دون مرض أصابه ولا سفر أراده إن مت في هذا العام فيخرج عني كذا وكذا هو بمنزلة إذا قال إن مت من مرضي هذا أو سفري هذا، وأشهب يقول: إن قيدها بمرض بعينه، فيجوز إن مات من مرضٍ غيره ولا يجوز إن مات في غير مرض وإن قيدها بسفر بعينه فيجوز إن مات في سفر غيره ولا يجوز إن مات في غير سفر، وهو قول بعيد في النظر وبالله التوفيق.

.مسألة أوصى لقرابته أو ذوي قرابته:

قال مالك فيمن أوصى لِقَرَابَتِهِ أو ذوي قرابته قال: لا أرى أن يدخل ولد البنات في ذلك.
قال عيسى بن دينار: وينظر في ذلك على قدر ما يرى قريبا لم يترك من قرابته غيرها ولا يعني ولد البنات وولد الخالات.
قال محمد بن رشد: قولُ مالك لا أرى أن يدخل في ذلك ولد البنات، ظاهره وإن لم يبق من قرابته من قبل أبيه يوم مات سواهم، وهو قول ابن القاسم في أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب الحبس خلافُ قول عيسى بن دينار، ولأشهب في رسم أسلم من سماع عيسى بعد هذا أنه استحب أن يدخل في ذلك قرابتُهُ من قبل الرجال والنساء لأبيه وأمه، ومثله لابن أبي حازم في المدنية أنهم في ذلك شركاء شَرعا سواء لا يُفضل منهم أحد على صاحبه.
فهي ثلاثة أقوال في المذهب؛ أحدها: أنه لا دخول في ذلك لِقَرَابَتِهِ من قبل النساء بحال وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنهم يدخلون في ذلك بكل حال وهو قول مطرف وابن الماجشون وروايتهما عن مالك وحكى ابن حبيب: أنه قول جميع أصحاب مالك.
والثالث: قول عيسى بن ينار: أنه لا يدخل في ذلك قرابته من قبل النساء إلّا ألّا يبقى من قرابته من قبل الرجال أحد.
وأما إن لم يكن له يوم أوصى قرابة إلّا من قبل النساء فلا اختلاف في أن الوصية تكون لهم على ما قاله ابن القاسم في رسم أسلم بعد هذا، وعلى ما قال أيضاَ في الواضحة من رواية أصبغ عنه، قال: وكذلك إن كانوا قليَلا الواحد والاِثنين.
ويختلف هل يقسم ذلك بينهم بالاجتهاد أو على السواء؟ والقولان لابن القاسم في كتاب الوصايا، واختار سحنون إذا كان المال ناجزا أن يقسم بينهم بالسوية بخلاف غلة الحبس، وحكى ابن حبيب في الواضحة من رواية مطرف عن مالك أنه يقسم على الأقرب فالأقرب، والأحوج فالأحوج على قدر الحاجة وقرب القرابة كما يقسم الأحباس، ولا يلزم عمومهم على هذا القول، وإنما يُسْتَحْسنُ ذلك ومثلُهُ في رسم الوصايا والأقضية من سماع أصبغ أراه لابن وهب والله اعلم، وأما على القول بأنه يقسم بينهم بالسوية إذا كان يحاط بمعرفتهم فيلزم عمومهم وبالله التوفيق.

.مسألة يوصي بمائة دينار نقدا ولأخر بمائة دينار سلفا فلم يحمل ذلك ثلثه:

قال ابن القاسم: وسمعت مالكا قال في الرجل يوصي بمائة دينار نقدا وَلأخَرَ بمائة دينار سلفا فلم يحمل ذلك ثُلثُه، قال: إن لم يجز ذلك الورثة نُظِرَ إلى قيمة ربحها مُعَايَنَة فيحاص بها، وكان ما صار له في حصته بَتْلا.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن معنى السلف الانتفاع به للتجر وغيره، فَيُنْظَرُ إلى ما يربح في المائة السلف إلى ذلك الأجل فيكون ذلك القدر كأنه هو الذي أوصى له به فيحاص به، ومثلُهُ في المجموعة لابن وهب وَعَلِيٍ عن مالك، وقال عنه علي: إلّا أن يكون أكثرَ من نصف الثلث فلا يزاد ولا تكون المائة سلفا أكثر من مائة بتلا، وهو يحمل على التفسير لرواية ابن القاسم هذه وبالله التوفيق.